عدم مشروعية “الرشوة” من الأمور التي أولتها الأديان السماوية الاهتمام، فالنصوص الدينية المقدسة التي تحرم “الرشوة” كثيرة، بل يضع بعضها الممارس للرشوة في مكانة “الملعون”، و هو المطرود من رحمة الله.
و لكن لم كل هذا الاهتمام الديني بمنع “الرشوة” ؟، و لم تجتهد كل الدول بمختلف أديان شعوبها و توجهاتها و مواقفها من الدين، في مكافحة “الرشوة”، مجندة لأجل ذلك آلياتها القانونية و الشرطية و الإعلامية؟.
ما من شك في أن “الرشوة” من الأمراض المجتمعية الخطيرة، ذات الانتشار الواسع، و تعرف بأنها ” تقديم قيمة لشخص أو جهة بقصد جلب منفعة أو صرف ضرر”، و تلك القيمة المقدمة قد تكون مالا، و قد تكون خدمة أخرى، تقدم من أجل نيل خدمة مستحقة أو غير مستحقة، أو من أجل تجنب محاسبة واجبة، أو التأثير على الفصل في مظلمة أو نزاع.
لما للرشوة من أضرار فقد حرمها الإسلام تحريما قاطعا، كما و قد حرمتها كافة التشريعات في الدول المختلفة، لسبب أن “الرشوة” تعمل على هدم الدول و المجتمعات بشكل لا يضاهيها فيه أي نوع آخر من أنواع الفساد، الذي يمكن أن يستشري في المجتمع، و من أوجه تدمير “الرشوة” للدولة تدمير الخدمة العامة، نتيجة تقديم الرشي لنيل الوظائف العامة دونما اهتمام بالكفاية و التأهيل، الأمر الذي يهوي بدولاب العمل في الدولة، و يهدم بنيانها، كما أن الرشوة تؤثر على ميزان العدالة، فتهتز صورة الدولة أمام مواطنيها، و تذوب هيبتها، ويلجأ الناس على المدى الطويل للتناحر و القتال لنيل الحقوق التي كان يكفلها لهم القانون لولا استشراء آفة “الرشوة”.
تقود الرشوة بشكل مباشر إلى الاستهتار بحقوق الآخرين و ضياعها، و التسيب في قضائها من جانب من أوكلت لهم الأمور، و بهذا يضعف الولاء للمجتمع والدولة، و هو أمر يهدد مستقبلها على المدى البعيد.
تعرض “الرشوة” كذلك حياة الناس للأخطار البالغة إن تمكن الفاسدون من إيلاجها مجالات التصنيع الدوائي أو الغذائي، و نجحوا في جعلها عنوانا بارزا لأعمالهم، حيث تتعرض حياة عدد غير محدود من المستهلكين و المرضى للخطر المباشر.
و من أعظم أوجه إفساد “الرشوة” لأخلاق أفراد المجتمع، و على مدى أجيال قادمة، إجبار أصحاب الحقوق على تقديم الرشي لنيل حقوقهم المكفولة بالقوانين و حقوق المواطنة المكفولة بالدساتير، و هذا الوجه من الفساد يعمل بشكل مباشر على هدم الأسس التي تجمع الناس و توحد وجدانهم تجاه المجتمع و الدولة، مما ينشر الظلم و العدوان، و يدفع أفراد المجتمع ناحية التذمر أو الثورة و عصيان نظام الدولة القائم.
ليس ذلك فحسب بل تعمل “الرشوة” على زعزعة الأمن المجتمعي بزعزعتها لنظام العدالة، فتفشو الجرائم بأنواعها و أحجامها، بداية بتلك الواقعة على النفس من قتل و تسبيب جراح، و نهاية بالجرائم الواقعة على المال و الحق الشخصي.
“الرشوة” بهذا الوجه القبيح لها عدة أسباب تصنعها و تساهم في شيوعها، حيث يشكل ضعف التدين في مجتمع ما سببا أساسيا في تفشي “الرشوة”، فعندما لا يرفض الضمير الجمعي الظاهرة تتحول لعادة يمارسها الجميع دون خوف أو حرج، كما أن تفشي الأنانية و حب الذات – و هي من الممقوتات في كل أسفار الخلق القويم – هي الأخرى تشكل سببا من أسباب تفشي “الرشوة”.
و من أسباب تفشي “الرشوة” استسهال أمرها و انتشار الأفكار التي تبررها و تجعل منها أمرا مباحا، كأن تسمى بغير اسمها الذي وسمت به في الشرع و القانون.
من أجل محاربة “الرشوة” تعتمد الكثير من الدول على هيئات مستقلة تنشئها لمكافحة الفساد، و تعمل تلك الهيئات بشكل يضمن خضوع جميع أفراد المجتمع لقوانين رادعة، لا يفلت من عقوباتها من ثبت تورطه في تلك الجريمة، كما تعمل الدول في ميدان محاربة “الرشوة” على اختيار الموظف العام على أساس نصاعة صحيفته الشخصية، التي تؤكد النزاهة و الخلق القويم، غير أن الدول الكبرى تعتمد على وصفة أكثر قوة في محاربة “الرشوة”، و هي أن تولي اهتمامها لمبادئ الديمقراطية و العدالة و تكافؤ الفرص، و أن تحرس تلك القيم بكل ما أوتيت من قوة.
تعمل استقلالية القضاء على محاربة “الرشوة” بشكل قوي يقطع الطريق أمام الفاسدين، كما أن الصحافة الحرة هي الأداة الرقابية الأفضل التي تعتمد عليها أجهزة الدولة و الشعوب الواعية في كشف التلاعب و الفساد، و الذي تكون جريمة “الرشوة” من ضمنه.
و من مناهج الدول المختلفة في محاربة “الرشوة” مراقبة أرصدة موظفيها، مع تحسين دخولهم الفردية، و توفير الحياة الكريمة لهم، إضافة للتوزيع العادل للدخل القومي للدولة، ثم يأتي الدور الاجتماعي لمؤسسات المجتمع الدينية و التربوية و التعليمية و الإعلامية في تجريم هذا السلوك الخطير، و التنفير منه، و حث المجتمع على رفضه بقوة و شجاعة.
لقد أظهرت الدراسات الإحصائية أن معدل كلفة الفساد في دول العالم الثالث تصل إلى ١٥% من نسبة الدخل الوطني، أي ما يوازي ٦ مليار دولار سنويا، و هذه النسبة توضح أن محاربة الفساد تستحق الإنفاق عليها بغير حساب.
المزيد من المشاركات
