شبكة الراهن الاخبارية

بعض مما كان في سيرة حافظ عبد الرحمن

في منتصف العام ٢٠٠٥ انتقلت للعمل بالهئية العامة للإذاعة و التلفزيون بعد تنقلات لسنوات للعمل بالإذاعات الولائية بالسودان، وبالقسم العربي بالإذاعة الإرترية، حضرت إلى أم درمان أحمل هم التوثيق لشريحة مهمة من المبدعين السودانيين (شعراء الأغنية تحديدا و ملحنيها)؛ حيث كانت تتملكني قناعة مطلقة بأنهم لم ينالوا القدر الكافي من التوثيق حين أني كنت و سأظل من المؤمنين بانهم أصحاب السهم الأعلى في الارتقاء بذائقتنا الحسية و الفنية شراكة كبار الفنانين و الملحنين الذين وضعوا البصمة لكلماتهم و ألحانهم فصارت شلالات من الإبداع الجميل خلدوها كما خلدتهم.
و بما أنني التحقت مذيعا بالبرنامج العام ضمن فريق “الإذاعة الناس والحياة” بقيادة المخرج البارع الدكتور طارق البحر و كنا نتشارك حينها مع نخبة متميزة من الزملاء و الزميلات في إخراج منتوج يعنى بهموم المواطن و الخدمات التي تقدم له في أنحاء الوطن الكبير، حينها لم تتح لي فرصة تحقيق هذا الهدف و لمدة عامين، حتى جاء اليوم الرابع من نوفمبر من العام ٢٠٠٥ للميلاد، و الذي شهد مولد إذاعة البيت السوداني و التي أنشئت بذات فريق “الإذاعة الناس والحياة” بقيادة الدكتور طارق البحر والأستاذ الشفيع عبد العزيز، لتخرج (أف أم ١٠٠) إذاعة للناس والحياة بمفهوم جديد و بفريق فريد بقدرات لن تجتمع في فريق موحد بعده أبدا، حينها روادني حلمي القديم، فوجدت الباب مفتوحا لهذا الأمر، التحيه هنا للدكتور طارق البحر الذي لم يتوان ففتح لي الباب مرشدا و مشيدا و موجها و معنفا في بعض الأوقات لتكتمل الصورة عبر الصوت بإنتاج سلسة من برنامج وسهرة (فنان في البيت) و الذي قدمت أولى حلقاته الزميلة الدكتورة فتحيه إبراهيم والأخ الأستاذ البارع ياسر محمد بشير، و قدما وقتها حلقة للتأريخ مع الراحل الهرم عثمان حسين، تحتفظ به مكتبة الإذاعة ضمن ارشيفها، بعدها بدأت فرحا ببداية تحقيق هذا الحلم و رحلة اللحاق بمن تبقى من المبدعين، فأدركت قبل رحيلهم الكبار عبد الله الكاظم، الجيلي محمد صالح، عوض أحمد خليفه، الصادق إلياس، فضل الله محمد، إبراهيم عوض بشير، الفاتح كسلاوي، حكمت محمد يسن، محجوب سراج، إبراهيم الرشيد وغيرهم، رحمهم الله جميعا، ثم لحقت بالتجاني حاج موسى، و مختار دفع الله و تاج السرعباس وأحمد حميد و محمد مريخه، و كامل عبد الماجد و عبد الماجد خليفه و محمد خير عوض وسعادة عبدالرحمن وغيرهم الكثير، لتصل حلقات هذا البرنامج الي مائتي حلقة برصيد أربعمائة ساعة إذاعية، تظل محفورة في دواخلي و قلوب المستمعين. ما دفعني لهذا السرد هو رحيل الموسيقار العظيم حافظ عبد الرحمن مختار مسودن آلة الفلوت و أحد أبرع عازفيها على نطاق المحيط العربي و الأفريقي إن لم يكن العالمي.
ذات مساء و عقب الانتهاء من سهرة الثلاثاء “فنان في البيت” و التي كانت تذاع على الهواء مباشرة من أستوديو “كرومة” و كان ضيفي حينها الراحل الكبير الجيلي محمد صالح و في طريق عودتي به الي منزله بأركويت، رن جرس الهاتف و إذا بالطرف الاخر الموسيقار حافظ عبد الرحمن، و كانت عبارته الأولى و دون سابق معرفة به و بعد التحية (يا ولد انت شاطر انت من وين ؟؟؟؟) تجهمت للحظات و ركنت السيارة جانب الطريق، رددت التحية و قلت من ود مدني، فقال عشان كدا)وطلب مني مقابلته بعد الإذن نهار اليوم التالي بمكتب الأستاذة هاله قاسم أمين المصنفات الأدبية و الفنية حينها، و أي فخر هذا حافظ عبد الرحمن شخصيا! يالها من عظمه ! التقيته متحمسا في الموعد بعد ما تهندمت (وظبطت نفسي) و كيف لا، و بعد هذا اللقاء و علاقتي لم تنقطع به و لتأريخ مرضه الأخير و لحين مغادرتي السودان رمضان المنصرم كنت في زيارته، في اللقاء المذكور اتفقنا علي تقديم حلقة من البرنامج الأسبوع التالي.
حضر الموسيقار الراحل في الموعد يحمل حقيبة مزاميره السحرية و حافظتين للقهوة و الشاي من منزله! و كانت من أميز و أروع الحلقات في سلسلة وصلت إلى ست ساعات خلال ثلاث أسابيع، تحدث فيها حديث الرياضة والفن، و الأدب ، و العالمية، و نحتفظ بهذه الحلقات بأرشيفنا بالاذاعة.
رحم الله حافظ عبد الرحمن المتواضع نقي السيرة والسريرة، مبعث الفرح الدائم و مستقر الأفراح، و “إنا لله وإنا إليه راجعون”.
(وتاني زول جميل في بلدنا مات خلانا مشروقين غناء)
عمر محي الدين
أبها ..السعوديه ٢٠٢٣

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.