شبكة الراهن الاخبارية

أيها السودانيون تطوروا و إلا فموتوا

كتب: د. فائز أحمد علي.

في عام 2007م كانت شركة نوكيا الفنلندية تمثل أكثر من 40% من مبيعات الهواتف المحمولة في العالم، وبظهور جهاز آيفون (iphone) من انتاج شركة أبل تقلصت حصتها السوقية إلى درجة أنَّ الشركة العريقة في عام 2013 قامت ببيع صناعة الهواتف لشركة مايكروسوفت، وفي المؤتمر الصحفي الخاص بالإعلان عن هذا البيع قال الرئيس التنفيذي لنوكيا: (نحن لم نفعل أي شيء خاطئ، لكن بطريقة ما، خسرنا)، فبكى كل فريق الإدارة بمن فيهم الرئيس نفسه.
إذن، شركة نوكيا الفنلندية خسرت خط تصنيع الموبايلات, وفي عام 2015م لم تستطع الشركة أن تجاري أندرويد، وتركت شركة ويندوز الشراكة معها، لتأتي شركة (Hmd global) المكونة من موظفين قدماء كانوا بقسم تصنيع الهواتف بالشركة نفسها؛ لتستلم خط تصنيع الهواتف وتحقق نجاحات كبيرة. شركة نوكيا بعيداً عن مجال تصنيع الهواتف ما زالت ـ وكما كانت ـ تُعد من أفضل الشركات بالعالم في مجال صناعة تقنيات الاتصال، ولكنها في 26 فبراير من العام 2023م أعلنت بأنها تعمل على تغيير هوية علامتها التجارية، بعد 60 عاماً، لتستعيد نموها القوي في مجال التكنولوجيا من جديد.
أقول بأنَّ سوق العمل لا يرحم، ومن لا يجاريه يموت مهما كانت قوته ومهما كان حجمه. والاستثمار في رأس المال البشري ـ من باب أولى ـ يحتاج بشكل أكبر إلى تعميق الفهم، وتحكيم العلم؛ برصد التغيرات والمتغيرات والقدرة على التنبؤ والاستجابة، فعمليات التخطيط والتنفيذ والتوجيه والرقابة عمليات حساسة للغاية، ويجب أن تُعالج بشمول ومرونة واقتدار وواقعية.
نحن الآن في السودان نرى مواردنا المادية الحسية بسبب الحرب تموت، ومحاولاتنا لإنقاذ هذه الموارد أو إعادة بنائها لا يجب أن يكون بمعزل عن إنقاذنا وإعادة بنائنا لمواردنا المعنوية، وأهمها موردنا البشري، الإنسان، من المنظور الاقتصادي والإداري.
ففي مجال تعليم اللغة الانجليزية مثلاً، لم يعد يكفي لخريج كلية التربية قسم اللغة الانجليزية أن يكون حاصلاً على البكالريوس ليعمل معلماً خارج الحدود، فسوق العمل الآن يطالبه بشهادات مهنية أخرى، مثل شهادة تيفل (TEFL) التي هي اختصار (Teaching English as a Foreign Language)، وشهادة سيلتا (CELTA) التي تعني (Certificate in Teaching English to Speakers of Other Languages) والتي تُمنح فقط من جامعة كامبريدج عبر فروع المجلس البريطاني (British Council) في أنحاء العالم المختلفة.
أما أهل التخصصات الأخرى كالأطباء والمهندسين والقانونيين فهم مطالبون بشهادات مهمة مثل توفل (TEOFL) التي هي اختصار (Testing Of English as a Foreign Language)، ومثل آيلتس (IELTS) التي هي اختصار (International English Language Testing System)، وهما شهادتان لقياس مستوى اتقان اللغة الانجليزية للناطقين بغيرها، وتتميز توفل (TEOFL) بتركيزها على قواعد اللغة (Grammar) أكثر من غيرها.
ولا يُستبعد أن يذهب معلم لغة انجليزية الآن إلى مؤسسة تعليم عالمية (International) خارج الحدود وهو يحمل بكالوريوس التربية بدرجة الشرف ويحمل شهادة (TEFL) أو شهادة (CELTA)؛ ومع ذلك يُطالب بشهادة (TEOFL) أو (IELTS) لتعزيز شهاداته، مما يدلّ على أنَّ هذه المؤسسات العالمية قد تفرِّق بين أن تكون مجيداً لتعليم مادة اللغة الإنجليزية وبين أن تكون متقناً للتحدث بها.
أعتقد بأننا لنواكب سوق العمل الإقليمي والعالمي نحتاج إلى أن ندرج هذه الشهادات على نحوٍ قويٍّ جداً في منظومتنا التعليمية والتدريبية داخل البلاد, واتجاه السودان مؤخراً لوضع اختبارات لمنح مزاولي مهنة التعليم (شهادة مزاولة مهنة) هو جهد متواضع جداً أمام متطلبات سوق العمل العالمية الحقيقية، في كل الدول التي من حولنا.
أما في مجال تقنية المعلومات (IT) أو (Information Technology)، فإنَّ الشهادة الرائجة عندنا حتى اليوم في السودان والتي يتم التدريب عليها هي شهادة رخصة قيادة الحاسب الآلي (ICDL) أو (International Computer Driving License)، وهي شهادة لم يعد عليها ذلك الطلب القديم في السوق حالياً، إذ استحوذت الشهادة الدولية للحاسب والانترنت (IC3) أو (Internet & Computing Core Certification) المعيار الخامس لها بالتحديد (GS5) على طلب السوق العالمي، فهي الآن الشهادة الأفضل والأقوى، مما يدعونا إلى ضرورة إدارج هذه الشهادة في برامجنا للتدريب الإداري داخل البلاد وبدون تأخير.
في مجال المحاسبة، نحن نقدِّر جداً برامج المحاسبة الوطنية التي أثبتت كفاءتها وقدرتها داخل البلاد، كما نحترم الذين يديرون حساباتهم ببرنامج إكسل (Excel) فقط، ونحترم من يديرونها ببرنامج ساب (SAP) أو (System, Application & products) للمحاسبة، ولكن من الضروري أيضاً الانفتاح على برامج المحاسبة الحديثة المطلوبة في سوق العمل خارج الحدود، مثل برنامج أودو (Odoo) مثلاً المُصمَّم لتغطية الاحتياجات المختلفة للشركة، بجانب برامج أخرى يجب أن يكون المحاسبون على إلمام بها.
حتى في مجال دراسات الجدوى، فإنَّ نموذج دراسة الجدوى الموجود عندنا الآن يحتاج إلى تحسين وتطوير، فنماذج دراسة الجدوى العالمية الآن أصبحت أكثر دقةً وإحكاماً، لأجل أن تعمل على توفير المزيد من الأمان للأموال التي تقدمها الدولة والمؤسسات المالية لتمويل المشروعات، مما يوفر المزيد من الحماية للممول و لصاحب المشروع معاً.
في الختام أقول: في علم إدارة الجودة الشاملة تمَّ تعديل شعار (إذا لم تتعطل فلا تصلحها) إلى شعار (إنَّ عدم توقفها لا يعني عدم إمكانية تحسينها)، ولكنها عندنا في السودان ـ كما أرى ـ قد (توقفت)، ولم نعد نملك رفاهية (تحسينها)، بل أصبح علينا إيجاد منظومة متطورة كاملة من أولها إلى آخرها. نعم، فلنواجه الحقيقة، نحن إذا لم نتطور فسنموت. علينا ـ بكل قوتنا ـ في مرحلة ما بعد الحرب أن نبدأ من حيث انتهى الآخرون بالضبط، وليس قبل ذلك بثانيةٍ واحدة.

د. فائز احمد علي
عُمان / مسقط
الجمعة 17 مايو 2024

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.