شبكة الراهن الاخبارية

بين البوح و الصمت

كتب: نزار عبد الله بشير.

يشعر الإنسان براحة كبيرة حين يشارك شعوره مع شخص آخر، أو مع آخرين، و حين يسكب ما علِق بقلبه من ضيق في جلسة (فضفضة) طويلة؛ لذلك لا يحتاج الإنسان في كثيرٍ من الأحيان سوى لمن يسمعه..
مشاعر الإنسان معقدة للدرجة التي يصعب عليك فهمها على وجه الدقة، حتى الدراسة العلمية فيها تستغرق وقتاً أطول لفهم التقلبات التي تمر بيها والمؤثرات التي تغيّر فيها، فالإنسان خليط من المشاعر التي تظهر عند كل موقف.
خاطرني سؤال؛ ما الذي سيحدث إذا مُنِع الإنسان من التعبير عن مشاعره.. ؟ أن لا تكون هناك مساحة لأن يبوح بحبه، ولا هناك سبيل ليحكي عن ما يضايقه، ولن يستطيع التصريح بمعاناته في الحياة.. ؟
دراسة علمية أوضحت أن إخفاء المشاعر قد يكلف الإنسان كثيراً، حيث يتسبب ذلك بالتوتر العضلي ومشاكل الجهاز الهضمي والصداع، كل هذه المشكلات لمجرد أن الإنسان أخفى شعور محدد، فما الذي سيحدث لو مُنَع التعبير عنها كلياً..
يميل بعض الناس إلى الوحدة لأنهم وجدوها أنسياً لأفكارهم التي لن يفهمها أحد، وإختار الكُتّاب التعبير كتابةً لأن ثمة شهيقٌ آخر على الورق أعمق من أي تنفس يمكن أن يتلقاهُ المرء، وثمة أكسجينٍ إضافي في التعبير عن المشاعر كتابةً.
يتَشَكّل الوجدان العاطفي للإنسان على ما يتلقاهُ مَن تعابيرٍ على مدى سني عمره، فحين يتَعذر البوح بالمشاعر ويفقد أحدهم المقدرة عن الإعراب عن ذاته وأحاسيسه سواء بالكلام أو بالكتابة أو حتى بالإشارة يصبح الأمر تشخيصاً علمياً يُعرَف (بالحبسة الكلامية) وهي حالة تحتاج للكثير من جلسات العلاج ليتفادى الإنسان المضاعفات التي قد تحيق به جراء ذلك الصمت المخيف.
لم يكن في أبعد تصورات الأدباء والشعراء أن تمر بهم لحظة مفصلية في حياتهم يغلبهم فيها التعبير عن مشاعرهم الخاصة؛ وهم الذين قضوا سنوات من دفق المفردات على شاكلة كتابات وقصائد ونصوص، فلماذا حين جاء الأمر لهم وأصبح شخصياً تمردت المفردات وأصبح فؤادهم خالياً، تصور أن تعبّر عن ملايين العُشَّاق والمحبين والسَهَارى، وحين يمتلئ قلبك بالحب يجف مَعين التعبير عندك فلا تجد ما تقوله لمحبوبك، تصور أنك ملأت الدنيا بلاغةً بكتاباتك المُعبَرة وحين أردت أن ترثي عزيزاً، لم تجد من القول ما يُسعف مشاعرك على التعبير.. ؟ واقعٌ مخيف ومُخزي، طبياً تلك الحالة تعرف بــ (ألكسثيميا) وهي باليونانية تعني “ عدم وجود كلمات للعواطف..“ فإن ألَّم بأحدنا شعور طارئ كهذا أصابه القلق وعَدِم الحيلة تجاه ما يغلي في صدره ويعتمل دون مَخرَج.
يحتاج الإنسان إلى أن يسمع عبارات الثناء، الحب، والتقدير بصورة مستمرة في حياته؛ لأنها تمثل وقوده ليكمَل رحلة الحياة، ويحتاج لأن يتحدث، يحكي، يشارك ما يشعر به من أفكار ومشاعر متناقضة، لأن الكتمان يؤدي للتراكمات وقد يقود الأمر إلى مشاكل نفسية عميقة ومعقدة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.