بقلم: د. فائز أحمد علي.
بالأمس في حوار إسفيري لطيف بيني وبين الأخ الجميل الكاتب و المذيع و الصحفي الأستاذ نزار عبد الله بشير، دار حديثنا عن أنَّ (احتراف الكتابة لا يُطعم من جوعٍ ولا يُؤمِّن من خوف)، و بعد تعليقاتٍ طريفة تبادلناها، وعدته بأن أتلمَّس هذا الموضوع في مقالٍ منفصل، وها أنا ذا الآن أحاول أن أفي بوعدي.
في الواقع الموضوع متشعب للغاية وهو أكثر تعقيداً وأعمق غوراً مما يبدو عليه. ولكنني سأحاول أن أتناوله عبر أربع نقاط.
أولاً: واقع القراءة في الوطن العربي:
في البدء أقدِّم هذه الاحصائيات الصادمة: ذكر التقرير العربي للتنمية الثقافية عام 2007م أنَّ هناك كتاباً يصدر لكل 12 ألف مواطن عربي، بينما يصدر كتاب لكل 500 انجليزي، وكتاب لكل 900 ألماني؛ بمعنى أنَّ معدل القراءة في الوطن العربي لا يتجاوز 4% منه في انجلترا على سبيل المثال.
في نفس العام أوردت جريدة القبس الكويتية أنَّ معدل القراءة للفرد في الوطن العربي هو 6 دقاق في العام الواحد، بينما يبلغ نفس المعدل 200 ساعة قراءة للفرد في أمريكا وأوربا.
ودراسة ذكرتها شؤون النشر التابعة للمجلس الأعلى للثقافة في مصر ونشرتها صحيفة الرأي الأردنية أظهرت أنَّ نصيب كل مليون عربي لا يتجاوز 30 كتاباً، مقابل 854 كتاباً لكل مليون أوربي، بمعنى أنَّ القارئ العربي يقرأ في كل عام نحو ربع صفحة فقط، في الوقت الذي يقرأ فيه الأمريكي 11 كتاباً، والبريطاني 7 كتب.
العالم العربي ينشر ألفاً و 650 كتاباً سنوياً، بينما تنشر الولايات المتحدة وحدها 85 ألف كتاب.
تقرير لمنظمة اليونسكو أورد أنَّ الطفل العربي يقرأ 7 دقائق (سنوياً)، بينما الطفل الأمريكي يقرأ 6 دقائق (يومياً).
أقول: صحيح أنَّ هذه الاحصائيات قديمة بعض الشيء، وأنَّ هناك دراسة أحدث قامت بها مؤسسة محمد بن راشد عام 2016م ذهبت إلى ارتفاع معدل القراءة في الوطن العربي عما أورته تلك التقارير السابقة، إلَّا أنَّ ذلك لا يغيِّر من حقيقة أننا في واقعنا الحالي لسنا الأمة القارئة بالمستوى الذي يجب أن نكون عليه.
نحن كأمة مسلمة كانت أول آية نزلت في كتابها السماوي هي: (اقرأ)، وكأمةٍ جُعلت معجزتها العظمى (كتاب)، اسمه (القرآن)، لا يجب أن ينحدر مستوى القراءة عندنا إلى هذا الحدّ.
نعترف أنَّ الأمة فيما سبق كانت بخير، وأنه كان فيها الجاحظ القارئ النهم الذي مات بوقوع رفٍّ من الكتب عليه وهو شيخ، وكان فيها الليث بن المظفر القارئ النهم الذي غارت زوجته من كتبه فأحرقت مكتبته بالكامل، إلَّا أننا نعترف أيضاً بأنَّ قراءتنا النهمة تلك قد ذهبت مع مجدنا الغابر، أو مجدنا الغابر أذهبه عنَّا توقفنا عن القراءة.
ثانياً: احتراف الأدب والفن:
احتراف الأدب والفنّ عموماً منذ وقتٍ قديم لم يجلب لصاحبه إلَّا الفقر وضيق ذات اليدّ. ففي أوربا مثلاً جاءنا أنَّ ماريا بيرنل تركت حبيبها ديكينز، وقالت: (إنَّ ديكنز شاب لطيف، لكنه أديب؛ فهل يستطيع أن يعولني بقلمه؟)، وجاءنا أنَّ الفاقة قد وصلت بالرسام الهولندي فينسينت فان جوخ يوماً حدّ أن قام بإحراق بعض لوحاته ليتدفأ بها من برد الشتاء.
وهنا في الوطن العربي كتب الأديب توفيق الحكيم: (ولكننا أدباء العناكب؛ ننسج في الظلام ونعيش في الجدب والحرمان)، والشاعر محمود غنيم حاول الترويح عن صديقٍ له شاعر سُرقت محفظته فقال له: (هوِّن عليك وجفِّف دمعك الغالي * لا يجمع الله بين الشعر والمال).
وفي الواقع، نجد أنَّ الأدب والفن قد يدرّا المال على قلة من الكُتَّاب والفنانين فقط. وربما جاءت الأموال إلى بعض الأدباء والفنانين في أوقاتٍ متأخرة جداً من حياتهم.
وتأسيساً على هذا الواقع المؤلم، اعتمد الكثير من الكُتَّاب والفنانين في تحصيل معاشهم على وظيفة يقضون فيها ساعات النهار، ليتبقى لهم المساء والليل وحدهما للإبداع. ومن لطائف التعاطي مع هذا النوع من الحياة ورد بأنَّ الكاتب الروسي الطبيب انطوان تشيخوف كان يقول: (الطب هو زوجتي الشرعية، والأدب هو عشيقتي). ولكن في الوقت نفسه، ذهب أديبنا العربي غازي القصيبي إلى مباركة الأديب الموظف وامتداحه فقال: (إنَّ الأدباء الموظفين أكثر انتاجاً من المتفرغين).
ويجب ألَّا ننسى أنَّ مأزق “فقر الأدباء” قد دعا بعضهم إلى ترك الأدب بلا عودة والاكتفاء بالوظيفة وحدها، وهذا المثال نجده في وليم ميكبيس ثاكري الذي عُرف عنه أنه هجر الأدب واحترف الصحافة وقال: (إنَّ الأدب ليس تجارة ولا مهنة، ولكنه الحظ الأنكد).
ثالثاً: اقتصاد المعرفة وصناعة الثقافة:
جاء اقتصاد المعرفة بمفاهيمه التي جعلت الأدب والفن نشاطاً اقتصادياً مهماً ومؤثراً. فاقتصاد المعرفة الذي يقوم على دعم الإبداع لا يمكن أن يتجاوز الثقافة التي ترتبط الارتباط الكامل بالإبداع المستمر والمتصل.
ومن النتائج الملموسة في هذا المجال وهذا المعنى، نجد إنَّ صناعة الثقافة عموماً قد ولَّدت في الصين عائداً قدره 296 مليار دولار في عام 2013م، أما في كندا فقد بلغت مبيعات متاجر التجزئة للكتب والصحف والمجلات الدورية الأخرى نحو 3.42 مليار دولار كندي في عام 2019م. وفي عام 2021م وصلت الإيرادات الأمريكية في قطاع الكتب والأفلام والموسيقى والألعاب إلى 126 مليار دولار أمريكي بمعدل نمو بلغ 3.37% مما يؤدي إلى حجم سوق متوقع قدره 146452 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2025م.
إذن، فليس لنا أن يصيبنا العجب عندما نرى كُتَّاباً مثل جاي كاي رولينغ، ودان براون، وستيفن كينغ، يصبحون من أثرياء العالم.
رابعاً: الطريق إلى صناعة الثقافة العربية:
الدول العربية أيضاً بدأت تلفت مؤخراً إلى صناعة الثقافة بجوانبها المتعددة ضمن مفاهيم اقتصاد المعرفة، وذلك لما تعود به هذه الصناعة من إيرادات مالية ضخمة. ولأنَّ المنظومة الثقافية كلها تقوم أولاً وأخيراً، ومن ناحية فنية بحتة، على المثقف؛ لم يعد بالإمكان تجاوز الأديب والفنان، والمبدع والمفكر العربي.
ولكن طريق الوصول إلى صناعة ثقافة عربية أصيلة ناجحة واسعة كجزء من اقتصاد المعرفة هو طريق ليس سهل، وفي نفس الوقت هو طريقٌ يُغري بالسير فيه، فالدول العربية أصلاً غنية بثقافتها وجغرافيتها وتاريخها العريق، وأيضاً لا يعوذ الكثير منها رأس المال المطلوب للاستثمار في هذا المجال. وقد أعجبني جداً مقال في صحيفة “الرؤية” العُمانية كتبه محمد بن رضا اللواتي في 5 مارس عام 2017م، ذكر فيه خمس مراحل تفصيلية لخطة علمية عملية لصناعة الثقافة في أي بلد، وقد أورد هذه المراحل المتتالية كما يلي:
- المرحلة الأولى: مرحلة تلقي الأفكار المبدعة والمضامين المعرفية القيِّمة، وفي هذه المرحلة يأتي السؤال التالي (هل البنية الثقافية التحتية تكفي لكي تلهب أفكار المبدعين وتحثهم على نقل فكرهم إلى الورق؟). البنية الثقافية التحتية تتألف من مكتبات عامة حديثة، متاحف، دور نشر، استديوهات السينما، النوادي والصالونات الثقافية، الحاضنات الابتكارية، الأروقة المعرفية.
- المرحلة الثانية: تبدأ بالمُنتَج، وكلما كان متنوعاً كأن يكون في الأدب والفلسفة والعلوم والمسرح والسينما والفن بأنواعه والنقد واللغة وغيرها، سواء على هيئة تأليف أم محاضرة أو ندوة أو سيناريو ولوحة أو غيرها من أشكال المُنتَج الثقافي، كان مؤشراً على سلامة البيئة الثقافية التحتية للبلد.
- المرحلة الثالثة: النشر، إن كان كتاباً، وإلَّا فمسرحية أو فيلماً أو غيرها. وبالطبع، جهوزية البنية الثقافية التحتية بدور النشر، والمسارح، واستديوهات السينما، وشركات انتاج الأفلام يساعد كل ذلك في تحقيق النشر.
- المرحلة الرابعة: العرض، وينبغي هنا أن تكون قوانين المطبوعات والنشر والإنتاج السينمائي وغيرها مرنة ومُعدة لجعل الثقافة تتحول إلى “عرض” وتكون متاحة “للاستهلاك”. الحريات الفكرية لا بد وأن تكون مكفولة دون إفراط بالمكنونات الثقافية الأصيلة لكل أمة، والمتمثلة في مكتسباتها العقدية وآدابها الاجتماعية.
- المرحلة الخامسة: الاستهلاك، فمن الضرورة بمكان وجود البؤر التي تتيح وقوع المُنتج الثقافي بين يدي المتعاطين له ومحبيه. فالمكتبات التجارية والمتاحف ومعارض الفنون التشكيلية ودور عرض النتاج السينمائي وغيرها، بغيابها، لن يتم “استهلاك” المُنتَج الثقافي، وهذا مُضرّ بصناعته.
في ختام هذا الموضوع المهم أقول: إنَّ وجود الإنسان على الأرض لا يقوم على استغلاله لمواردها المادية فحسب، وإن كانت مسخرةً له بالكامل. ولأنَّ الانسان بطبعه مُفكِّر مُبدع، فإنَّ اللحظة التي يبدأ فيها توظيف الفكر والإبداع لتحقيق حياةٍ أفضل له، مرتبطةً بمكونات حياته اليومية ومكوناته الفكرية ومكوناته الاجتماعية؛ هي ذاتها اللحظة التي يحقق فيها صناعة الثقافة، الصناعة التي تهيئ له العيش الكريم، وِفق ما نسميه اقتصاد المعرفة.
د. فائز احمد علي
عُمان / مسقط
السبت 18 مايو 2024م
