نزار عبدالله بشير
” استوعبنا شيئاً واحد؛ أن البقاء ليس شجاعة وإنما مخاطرة بلا معنى.. ” هكذا تحدثت إلينا فاطمة التي عانت من (النزوح المزدوج) داخل السودان قبل أن تُجبر على اللجوء في نهاية المطاف؛ وتنقسم أسرتها بين مَن أُرغم على الخروج وبين مَن أُجبر على البقاء وسط القصف، تقول بأسى ” ونحن في طريق النزوح الأول فقدنا الأمل في أننا سننجو؛ لأن القصف العشوائي كان من كل الاتجاهات” وأردفت بأنهم لم يختاروا النزوح ولا اللجوء وإنما فُرِضت عليهم المغادرة.
غادرت فاطمة برفقة ثلاثة أطفال من أبناء شقيقها دون سن السابعة ووالدتها وشقيقيها الأصغرين، ولم يحملوا معهم سوى بطاقات الهوية وهاتف ببقايا طاقة شحن وبما ارتدوا من ملابس؛ وما لا يكفي للبقاء على قيد الحياة

الهجرة نحو المجهول:
في الخامس عشر من أبريل 2023 اندلعت الحرب في السودان، في العاصمة الخرطوم وبعد فترة ليست بالطويلة اضطرت فاطمة للمغادرة برفقة عدد قليل من أفراد عائلتها لمغادرة منزلهم بالخرطوم لتبدأ رحلة النزوح الأولى؛ التي تصفها فاطمة قائلة: ” لم نترك أشياء فقط؛ ولكننا تركنا حياة كاملة في مكانها هناك، تركنا أنفسنا القديمة ولم نعرف بعد إن كانت لا تزال تنتظرنا أم ماتت بصمت”
تحركت فاطمة برفقة من صاحبها من عائلتها سيراً على الأقدام، من الخرطوم نحو المجهول في رحلة مليئة بالخوف والبكاء كان عنوانها الأبرز “هل نحن بخير” تحكي بصوت متهدج قائلة: ” الأطفال كانوا خائفين أكثر، ونحن كمان كنا خايفين جداً.. لأننا ما كنا عارفين الرحلة دي نهايتها وين.. ” قالت إنهم كانوا يحاولون إخفاء خوفهم عن الأطفال على طول الطريق؛ ولكنهم كانوا يفشلون في كل مرة في ردات فعلهم.
ثلاثة أيام بلياليها قضوها سيراً على الأقدام؛ ناموا فيها على الأرض في العراء تحت البرد القارس مع الكلاب والحشرات والثعابين، أطفال، كبار سن ومرضى كان تصطك أسنانهم من شدة البرد، قبل أن يصلوا لوجهتهم النهائية داخل حدود ولاية سنار، تقول بطلة حكايتنا ” فقدنا الاتصال بوالدي وأخي وجدتي والكثير من أقربائي لفترة طويلة” وأن بعض الأسماء امست ذكرى؛ دون معرفة متى أصبحوا كذلك.
حملت فاطمة معها ثلاثة من أبناء شقيقها أعمارهم (3-5-7) سنوات في تلك الرحلة المضنية ومرّت الآن ثلاث سنوات دون أن يروا والدهم أو والدتهم ولا يعرفون شيئاً عن مصيرهم، سارت وبقية أهلها يحملون الأطفال حتى نفدت قدرتهم على التحمل، من الخرطوم حط بهم المسير في ولاية سنار وتوجهوا لمنزل أحد أقاربهم، ولم تمضِ فترة طويلة من الوقت حتى حدثت معارك (جبل موية) في المنطقة الواقعة بين حدود ولاية النيل الأبيض وولاية سنار؛فاضطروا للنزوح للمرة الثانية سيراً على الأقدام لمدة ثلاثة أيام ناموا فيها في العراء وتحت المطر؛ ووصلوا في اليوم الرابع لمدينة ربك حاضرة ولاية النيل الأبيض، كان عدد النازحين معهم (50) فرداً بما يقدر بنحو (7-8) أُسر اضطروا جميعهم للمكوث في بيت واحد، “كانت الخصوصية حلماً بعيداً، والراحة فكرة بعيدة” هكذا وصفت نهاية نزوحهم الثاني الذي مكثوا فيه لأيام قبل أن يبدأوا رحلة جديدة، لا يملكون فيها أدنى ما يحتاجه الإنسان من مأكل وماء؛ قالت إن مخاوفهم في تلك الفترة كانت أن لا يموت أحدهم بسبب مضاعفات الجوع والعطش.
قوارب الموت أو النجاة:
بحسب المنظمة الدولية للهجرة فقد دفع القتال الدائر في السودان نحو (9.1) مليون شخص للنزوح داخلياً، بينما عبر نحو (3.3) مليون شخص الحدود نحو دول الجوار هرباً من مناطق القتال.
في رحلة النزوح فقدت تلك العائلة كل الإمدادات لأساسيات الحياة؛ وفقدوا قدرتهم حتى على جلب الماء واصبحوا يعتمدون على ما يأتهم مِن عون والذي مِن المحتمل أن لا يأتي لأيام، تحكي بحزن وتقول: ” وصلنا مرحلة لا طعام ولا ماء، أذكر أن أمي بدأت تطبخ حبوب الذرة والدُخن، أمي إنسانة قوية بمعنى لا يوصف، كنا وإلى الآن نستمد منها إلهامنا وقوتنا…” تواصل بطلتنا في حكايتها بقولها إن الأطفال كانوا يتظاهرون وكأن الأمر لُعبة في بداية الأمر، ثم كانت عيونهم تتسع بالخوف، ثم بمرور الأيام توقفوا عن السؤال؛ وهذا أكثر ما أخافهم؛ وكأن الأطفال تحملوا المسؤولية باكراً وهم في تلك السن؛ كان أحدهم يقول للبقية ” خلونا نستحمل إنو مافي فطور اليوم عادي صح؟ فيرد الآخرون نعم عادي نحن أقوياء.. ” في الأيام التي لا يجدون فيها طعاماً.
تحركت فاطمة برفقة والدتها وأختها واثنين من أشقائها الصغار مع ثلاثة أطفال دون سن السابعة هم أبناء شقيقها في رحلة نزوح ثالثة بلا هدف واضح بحثاً عن الحياة والأمان وقد وصلوا من الإعياء والجوع مرحلة كانوا يتوقعون فيها الموت تحت أية لحظة، قالت إنهم تعرضوا للتفتيش المُهِيّن من قبل كل القوات التي لاقوها طوال رحلة نزوحهم من الخرطوم، وأن الأمان أصبح بالنسبة إليهم فكرة لا يمكن الوثوق بها، كان يعصف بهم القلق والتوتر وتتخطفهم الأسئلة؛ حيث لا مأوى آمن، وفي أي لحظة قد يتم هجوم المنطقة التي يمكثون بها، كان يشعرون بأنهم شارفوا على الموت في كل لحظة عاشوها ثم في لحظة قرار أخيرة للنجاة وضعوا فيها احتمالية أن ينجوا بعضهم بينما يموت الآخرون، اتخذوا سبيلهم في الأرض نزوحا وعبروا ولاية النيل الأبيض نحو دولة جنوب السودان في رحلة لجوء أولية كان عنوانها الخطر، ناموا خلالها في العراء ووسط الحيوانات والتحفوا السماء؛ ثم ركبوا “مراكب الموت بحثاً عن النجاة” تقول فاطمة ” عشنا ثلاث ليالي على قارب قد نغرق فيه في أي لحظة، كنا أشبه بمن كانوا على قوارب الرحلات غير الشرعية” ثم قطعوا الحدود أخيراً بين السودان وجنوب السودان، دون المكوث في مكانٍ واحد، كانت الرحلة مستمرة يبيتون ليلة في مخيم، وآخرى بين الأشجار وثالثة في منتصف الطرق، ثم عبروا الحدود بين جنوب السودان وأوغندا برحلة أشبه “بفيلم الخيال العلمي” كما تصفها مُحدثتنا ولم يعد في القصة شيء حقيقي وكأنهم يعيشيون في الأحلام لا في الواقع؛ حتى استقر بهم المقام أخيراً في مخيّم اللاجئين بمقاطعة كرياندنقوا بأوغندا بعد ثلاث موجات نزوح ولجوء مزدوج.

تحديات المناخ والبيئة:
” تُصنف الأمم المتحدة السودان ضمن الدول الأكثر تأثراً بتغير المناخ في العالم، حيث يؤدي تدهور الأراضي، الجفاف، والفيضانات المتكررة إلى موجات نزوح داخلي قسرية. تتداخل الكوارث المناخية مع النزاعات لتأجيج أزمات الهجرة، وسط تحذيرات أممية من تفاقم هذه الضغوط وتداعياتها على الأمن الغذائي والموارد.”
في اللحظة التي ظنت فيها تلك العائلة أنها قد نجت من أهوال الحرب؛ كانت المصاعب والتحديات تحيط بها من كل جانب؛ حيث لم تكن الحياة في معسكرات اللجوء مريحة وليست كأمان بيوتهم الذي فقدوه في منزلهم قبل الحرب تقول بطلة قصتنا:
” أمي ومنذ بدء الحرب وحتى الآن لم تتناول علاج مرض الغدة مع غياب الفحوصات في مقر إقامتنا الحالي، ومع غياب المتابعة تدهورت صحتها” تتمنى لو أنها وجدت فرصة أخيرة لتوديع أفراد عائلتها، وداع ببطء أكبر ربما يكون أقل قسوة؛ قالت إنها الآن تبكي كلما تذكرت بقية والدها وشقيقها وجدتها؛ تشعر بالشوق.
” لم نعد كما كنا، الأطفال صار أكثر وعياً وهذا جنوني، والكبار صاروا أقل قدرة على الحماية مما ينبغي وأصبح كل منا يسعى لينقذ ما استطاع لتماسك هذه العائلة.. “
هناك في لجوئهم كانت اللغة حاجزاً واجه الجميع، وفرص العمل محدودة إلى حد العدم، والطقس قاسي وممطر معظم أيام الاسبوع وتزايدت الأمراض؛ كانت العائلة المنقسمة تعاني مع طبيعة المناخ الجديدة التي عاشوا فيها؛ حيث لم تتعود الأم ولا الأطفال على ذلك النوع من الطقس، كانت وما زالت هذه العائلة تحاول التأقلم مع البيئة الجديدة رغم مرور ثلاثى أعوام على لجوءهم إلى أوغندا، تعيش فاطمة حتى الآن هناك وما زالت معاناتها مستمرة وبقية وعائلتها التي تركت بعضها في السودان وجاءت باحثة عن النجاة والحياة.
