في رفاهية التوديع..
« ومضَىٰ كل منهُمَا في طريقٍ والقلبُ يَلتَفِتُ! »
- الرَّافعي.
وراء كل فقد الكثير من الأحزان، السهر، الدموع والتوهان؛ ليس سوى لحظات النوم المباغتة مُعزِّي، ولا بعد وجع القلب ألم.. !
وليس ثمة أحد في هذه الحياة بلا فقدٍ، رحيل، أو خذلان، وتلك سُنة الحياة التي تمضي على الجميع، فثمة مَن يتجاوز سريعاً وثَمة مَن يبقى طويلاً هناك..
أشفق على الذين جربوا الفِراق للمرة الأولى؛ الذين فُطِرت قلوبهم وفُجِعت باكِراً، أشفق عليهم من اللحظات التي ستعيدهم لكل اللحظات التي جمعتهم بفقيدهم حياً وميتا..
كل الذين إمتلكوا ناصية التعبير، والقدرة على رصف المعاني وإستلاف مشاعر الآخرين، غلبهم البوح حين جاء الأمر عندهم؛ وكأنهم فقدوا النُطق فجأة..
ولأن الفجيعة لا تنتهي في الحروب؛ فثمة مَن فقد أهله، من فارق أهله مُجبراً، تباعد عن صديقه، والكثير من الأحزان التي على قارعة الطريق والفظائع التي تلفظها الحياة كل يوم، فمن أين لنا بلسانٍ يتحدث عنا جميعاً..
سمعتُ بصورةٍ خاطفة (التومات ) وهُنْ يرددن كلمات الراحل دكتور علي شبيكة:
« طوَّل مفارق حيوّ..
يا أخوانا كيف وإزيّو..
من يوم فُراقو ديارنا..
ما شفنا زيّ زي زيّو.. »
وكأنها صفعتني لألتفت، وكأني أسمعها للمرة الأولى؛ حيث المعاني إختلفت والتعابير والصوت واللحن، شئ أشبه بالإستيقاظ بعد نومٍ عميق ليوميين متتاليين..
- ماذا تعني « ما شفنا زي زي زيو..» ؟
كنت أعتقد مثل الكثيرين أنها ترديد لكلمة (زيو) وباللحن أصبحت هكذا حتى ركز معها لتصبح - زي الأولى تعني (لبس).
- وهي إشارة للأناقة في الملابس وتشير للتفرد.
- زي الثانية تعني (مثل).
- زيو يعني (ملبسه)
- بمعنى أنه منذ رحيله لم يأتِ من يشبهه لا في ملبس ولا في شئ آخر وهذه البداية..
علي شبيكة الأقدر تعبيراً من بين شعراء عصره بإسلوب بسيط عميق المعنى كثيف العاطفة…
تأملوا إبتدار النَص الذي وضع له الراحل السُني الضَوي ما يناسبه مِن لحن والأغنية كلها أحد الذين فاض بهم الشوق يحكي للذين حوله ما أصابه بفراق محبوبه..
« طول مفارق حيّو..
يا أخوانا كيف وإزيو.. »
طوّل مفارق حيّو، أمٌ ثَكلى تبكي إبنها الفقيد حيث دفنته بيدها، أو حتى لم يجود عليها الزمان بأن تلقي عليه النظرة الأخيرة..
طوّل مفارق حيّو..
زوجةٌ تودع زوجها مُجبرةً تزجُ به إلى المنافي البعيدة، وهي تختار الفِراق لأجل العيش الكريم..
طوّل مفارق حيّو..
حبيبةٌ تطبعُ قُبلةً على رسالة لحبيبها كتبت فيها وصاياها له، وهي لا تَعرف إن كانت ستلتقيه مجدداً أم سيبتلعه الغياب كما إبتعلت الحرب أحلامهم بأن يجتمعوا تحت سقفٍ واحد..
طوّل مفارق حيّو..
شَقيقةٌ تضع ملابس شقيقها على المنضدة وتمسح مدامعها بيدها اليُسرى وهي تعرف أنها ربما تراهُ للمرة الأخيرة؛ فأن لم تأخذه آلة الحرب أخذته المنافي في طياتها…
كل هؤلاء ومثلهم يسألون في جلسةٍ واحدة وبقايا أدمعهم لم تجف بعد من على خدودهم:
- يا أخوانا كيف وإزيّو…؟
هذا السؤال الذي لخصه على شبيكة في جُملة عابرة سمعناها عشرات المرات دون أن نعرف معناها قبل أن نعيشها بكل مراراتها..
ثمة رحيل بلا وداع.. !!
قاسٍ وجاف؛ مرهق وحزين..
يكون فيه أقصى أمنيات المُفَارَق نظرة أخيرة قبل الرحيل.. !!
نظرة أخيرة قُبيل الإفتراق النهائي، حيث تختفي الصور للأبد مهما حاول بعضنا أن يبقيها حيّة مع مرور الزمان..
سمعت إحداهن تقول بكل حُرقة هذا العالم:
« فقط لو أرى وجهه مرة واحدة..
مرة واحدة وخاطفة وأخيرة.. »
تصور رفاهية الذين حُظيوا يتوديع أحبتهم، عناقهم طويلاً قبل أن ينفك تشابك الأيادي، وتشتت القلوب لهفى..
تصور رفاهية التوديع للذين نالوا شرف النظرة الأخيرة من الأعزاء، للذين إستطاعوا عناق أحبتهم ملياً، إشتموا روائحهم، قبلوا جبينهم وأياديهم للمرة الأخيرة..
ربما يكون لا مفر من الرحيل..
ولكن أن يكون خاطفاً هكذا، يكون قاسياً..
« لسه القلوب بتهاتي..
بي زول بعيد وبعيد »
القلوب لَن تكف عن توقها للأحبة، عن شوقها للقاء، عن أمنياتهم بالعناق، عن أحلامها بالبقاء بجانب مَن أحبتهم..
مُحزن أن يكون الرحيل هكذا..
بلا إشارات وبلا أعذار..
و … الحي مصيرو يلاقي
طال الزمن أو قَلّ
نزار عبدالله بشير
مايو 2024
