كتب: محمد عباس الباشا.
يميل مجتمعنا -في كثير- من أحواله نحو تبسيط الأشياء المهمة و الكبيرة، لا أدري أهو هروب من وقع تلك المصائب، أم أن المصائب قد اعتادت المكوث، و دعت أقاربها للسكنى بين ظهرانينا، فنشأت المودة و لعب أطفالنا مع أطفالها!
(شفشفة)، تبدو مفردة رشيقة خفيفة على اللسان، ذات جرس رنان، و بريق و لمعان، لكنها تعبير عن سلوك بشري، و آداء خطيرة لا يكفي أن يعبر عنها كاتب أو عالم نفس أو اجتماع ملء الكتب حديثا و تفسيرا.
ف (الشفشفة) ليست السرقة الممقوتة في كل مذهب و دين فحسب، إنما هي السرقة التي تكون في أغلب أحوالها نهبا، ممزوجا بالحقد و الكراهية العمياء، و حدث كثيرا في خضم هذه الحرب القبيحة أن تجسدت (الشفشفة) من مزيج بغيض ذي ثلاث مكونات، لكل منها وجهه الأكثر سوءا من الآخر، ف (الشفشفة) عنت في كثير من لحظات الحرب “السرقة، و النهب، و القتل، و استحلال ما حرم الله من نفس المسلم و ماله و غدره و قهره “
“السنة” بكسر السين و تشديد النون هي “العرقي” وما قام مقامه، أما “الغمتة” و “الكسرة” و “مسحة الشنب” في تدلل على مسمى و احد هو “الرشوة”، أمن حياء يحدث ذلك أم استسهال و استهتار؟، لماذا تتحول الحقيقة الصادمة لدينا لصور أقل تعبيرا عن حجم الحقيقة نفسها؟! ولماذا يهرب المجتمع من تسمية الأشياء باسمائها، و يحول عظائم الأمور لما يشبه الملهاة الأقرب إلى هذيان الحشاشين، و تساق أخطر الظواهر إلى سياقات تسلبها خطورتها و تلفت الناس عن الانتباه لمعالجتها حتى يستفحل أمرها؟!، كما استفحل كل أمر عظيم الآن في هذه الربوع الطيبة.
(الشفشفة) -لمن فاتهم الاستماع- هي تعبير عاري -كما ولدته أمه- عن حقد اجتماعي و طبقي يحتاج من يعالجه سواء على مستوى التشريع و القانون وتطبيقه أو على مستوى العدالة الاجتماعية، أو مستوى التعليم و التربية و تصويب المفاهيم و تلك مسؤولية الدولة و مؤسساتها إن أرادت تلك الدولة البقاء، فما حدث في السودان عقب اندلاع حرب أبريل حمل معه إلى سطح هذا الجلد الجاف عددا لا يحصى من الدمامل و القروح التي لا يجدي تناسيها و التغافل عنها، حتى لا ترم على فساد، و بعد سنوات قليلة يتبين فيها إخفاق الطبيب. الانتهاكات التي و قعت على المواطنين السودانيين في هذه الحرب هي أمر لا يجدي تسميته بغير اسمه، أو دسه في الضحك و لطف المؤانسة، أو في الكفة الأخف وزنا من أثقال مجتمع مثقوب الراوية، و هو يجادل دائما أن الماء ليس براوية أحد غيره.
