شبكة الراهن الاخبارية

أشواق لا متناهية

أشواقٌ لا متناهية

نزار عبدالله بشير

” في سبيل كل إبتسامة
أبذل المعدوم وغالي
أسال الله .. السلامة
دايماً الأحزان في بالي “

               (الحِبيب)

العالم يستَعِر و تلتهب الأحداث، و تتغير حكومات الدول، يتخاصم حبيبان، يلتقي آخرون و بين كل هذه الأحداث و غيرها ثمة أحدهم يجوب الكون في رحلة بحث أزلية عن ذاته التي تركها في زوايةٍ ما و سرقه الزمن فذهب دون أن يدري إلى عوالم ما كان يظن أنه ذاهبٌ إليها في يوم من الأيام…
كنا على الأرصفة ندفن ما تبقى من ذكرياتنا، و نمحو على الشواطئ ما عَلُق بالروحِ من حزن..
نجلس القرفصاء على رمالٍ تخصنا وحدنا، نحتضن أنفسنا و نعانق طيف كل الذين رحلوا من قبل، نلتقيهم لثوانٍ و نتملئ من ابتساماتهم العابرة..
بعض الأيام يتمنى فيها المرء لو أنه مكث فيها أطول، يتمنى لو أن يتخطاه الزمن فيبقى هو هناك أكثر؛ يتشبع من جمال تلك اللحظات، يعيشها عشرات المرات في المرة الواحدة، ينظر في عين الذين يحبهم طويلاً، يعانقهم و كأنه يودعهم للمرة الأخيرة، في حقيقة الأمر هو يودع نفسه فيهم..
كيف حاله بعدهم؟
كيف ستمر أيامه؟
أتفهم كل الذين كانوا مهووسين بفكرة البقاء بعد رحيلهم، أن تكون سيرتهم أخلد، هم يعرفون إن كانوا سيبقون في قلوب أحبتهم أم لا و لكنهم يستوهمون بقاءهم بفكرة البقاء تلك، لذلك تجدهم يجتهدون بتخليد اللحظات و التقاط الصور و يبالغون في التبسم مع كل لقطة، يكتبون الرسائل الأوقع أثراً و يتخيرون من المفردات أبلغها ليكونوا بذلك أبلغ، و يجتهدون بتنفيذ كل فكرة تضمن بقاء أثرهم بعد الرحيل حتى و لو وصل الأمر لأن يوثقوا لحظاتهم العادية على أشرطة الفيديو…
لست من الذين ينسون سريعاً، و لكنني أعرف معنى أن يجتهد الإنسان في أن ينسى ذكرى مريرة، أو يقاتل ليجمع طيف من يحب في ذاكرته..
تخيل ..
أن ذاك الذي تحبه..
تحبه لأقصى الحدود و تتمنى الموت دونه..
تخيل أنه ينساك سريعاً..
بعد عام أو عامين من رحيلك..
تخيل فقط..
هذه سُنة الحياة..
سيمضي كل شئ.. سيرحل الجميع دون حتى أن نعرف متى سيرحلون..
سنبكي كثيراً أو قليلاً من بعدهم، و لكننا و بالتأكيد سننسى بعد عام أو يزيد..
و بين الذكرى و النسيان تمتدُ أشواقٌ لا متناهية..
لأي شئ..
لأيام طفولتنا..
لأصدقاء الدراسة..
لأوقات الصباء و زملاء الجامعة..
لأنفسنا القديمة..
أشواقٌ تجتاحنا بين الحين و الآخر، لا نملك بعدها إلا أن نبكي ..أو نتباكى
من يقنعنا بأننا لم نَعُد كما كنا، و أن الزمان تغير، و أن قد شخنا مئات السنين في عامٍ واحد، كيف تجاوزنا كل هذه السنوات و نحن في هذا العمر؟
أين المنطق، كيف لشعورٍ واحد قادر على أن يذهب بك بعيداً إلى هذا الحد؟ مَن منح الحُزن سلطة أن يضيف لأعمارنا عشرات السنين فيسافر بنا نحو الغد و يتجاوز بتا الشباب هكذا.. ؟!!!

نزار عبد الله بشير.
12 مايو 2021

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.