بقلم: نزار عبدالله بشير.
” لوحتُ له يدي مودعةً، و كم يداً في قلبي لوحت بالبقاء.. “
(مي زيادة)
كغصةٍ أبت أن تزاول مكانها؛ فأخنقت صاحبها بالعَبرات و أتعبت قلبه، أنهكت حِسه لزمنٍ ليس بالقصير.. هكذا فعلت بي هذه الكلمات؛ حاولت مراراً أن أتجنبها و لكنها تَلِّح في كل حين..
ربما صرنا في زمنٍ تتلون فيه الأشياء و الأشخاص، و ربما المشاعر، فلا شئ يبقى على حاله، و الجميع في حالةٍ ترقبٍ دائم و انتظار.. لشئ لا أحد يعرف كنهه و لا تفاصيله؛ فقط الكل ينتظر..
المجهول الغائب، الذي لا يعرف عنه شئ، الاكتئاب، الحزن، الانتظار، لا أحد يعرف شئ، ذلك المجهول الغائب يفعل الكثير؛ و أصبحت المشاعر هشة لدرجة أن الكلمة العابرة تجرح، و التلميح يغضب و الغياب يقتل…
و على نواصي رحلة العمر نمضي و لا ندري أي قدرٍ ينتظرنا أو ينتظر أحبتنا، و لكن هشاشة قلوبنا هذه ستوردنا المهالك يوماً ما..
كل الذين تألموا كانوا في انتظارِ شئٍ ما، و حين لم يأتِ إجتاحهم الحزن و سيطرت على أيامهم الكآبة و رافقت لياليهم الدموع؛ و كلما كان الانتظار شديداً كان الألم أشد و هكذا نسير و تمضي الحياة…
نودِع و نُودَع، لا ندري أيهما أول و لكن الحقيقة الثابتة أننا لا نطيق التوديع سواء كنا الراحل أو المنتظر، فثمة حُرقة تسري خفية من على أرصفة التوديع في المطارات و الموانئ، تجتاحك منذ اللحظات الأولى و تتمدد مع تقدم الساعات حتى تصل أقصاها فتفقدك السيطرة على قلبك و دموعك و تنهار بعدها لمجرد صورةٍ إكتست ملامحها الأبيض و الأسود…
و الذين التقيناهم في رحلة العمر عابرين كانوا أو أحبة، لم نخترهم يوماً و إنما تورط القلب بهولاء و أزاح أولئك عن المشهد فظل يُقرِّبهم ما إستطاع إلى ذلك سبيلاً؛ حتى تسيدوا ساحات الخافق حضوراً و غياباً فصارت أشياؤهم البسيطة عظيمةً لدينا..
كلماتهم العاديةتغير ملامح يومٍ كامل، غيابهم يكسي الرؤية بالسواد، ضحكاتهم سعادة، العادي منهم مدهش.. فظللنا نحتفي بهم داخلنا حتى تيقنت الحياة بإقترانهم فأخذتهم في نواحيها.. سفراً رحيلاً مؤقتاً و أبدياً.. و ظل القلب بعدها في حالة ركضٍ أبدي على خطاهم يتتبع آثارهم.. فتارةً تتوه به الخُطى و تارةً يتقسم في الطرق ليجمع بقايا ملامحهم من الأماكن التي شهدت حضورهم يوماً ما..
لا أحد يبقى لأحد؛ هذه الحقيقة التي ظللنا نهرب منها طوال عمرنا الذي مضى و الذي سيأتي، لأننا لا نريد أن نصدق؛ فنحاول أن نتناسى فكرة أن هذا الذي نحبه يمكن أن يرحل في يومٍ من الأيام..
هي سُنة الحياة، مَن لم يتغير بفعل الزمن تأخذة الحياة فينسى، و مَن استقوى عليهم الإثنين كان الموت أقوى منه فإبتلعه الغياب..
و في كل الحالات؛ حتى تلك الأمنيات التي نقاتل لأجلها منذ وعينا و عرفنا سُبل الحياة و تسرب إلينا الطموح، ظلت هي في حالةِ نفورٍ دائمٍ و نحن نقاتل لأجل بقائها و تحقيقها و لكن مَن يقنع القلب بأن الإنتظار…
الآن في كل مكانٍ في هذا العالم ثَمة منتظرون..
على نواصي الطرقات، يتوقعون شئ ما، فرصة، رزق، رحلة، كلمة أو ربما إبتسامة..
في صالات الانتظار في المطارات يتلهفون لرؤية أحدٍ ما من الممكن أن يطل في أي لحظة..
علي جانب المراقد ينتظرون حلم أو أمنية عساها تتنازل و تطل اليوم فقد طال التمني و الإنتظار..
المنتظرون هنا.. و هناك في كل مكان.. و القليل منهم مَن يظفر أما البقية فجزاهم الألم و الدموع…
إن كان ثمة نصيحة خالدة مني :
” لا تنتظر.. حتى لا تتألم.. “
16 أبريل 2021
